ابن أبي الحديد
33
شرح نهج البلاغة
قد تكلم في رده مرة بعد أخرى ، ولوال بعد وال ، وهذه كلها أسباب التهمة ، فقد كان يجب أن يتجنب الحكم بعلمه في هذا الباب خاصة ، لتطرق التهمة إليه . فأما ما حكاه عن أبي الحسين الخياط من أن الرسول صلى الله عليه وآله لو لم يأذن في رده لجاز أن يرده إذا أداه اجتهاده إلى ذلك ، لان الأحوال قد تتغير - فظاهر البطلان ، لان الرسول عليه السلام إذا حظر شيئا أو أباحه لم يكن لأحد أن يجتهد في إباحة المحظور أو حظر المباح ، ومن يجوز الاجتهاد في الشريعة يقدم على مثل هذا ، لأنه إنما يجوز عندهم فيما لا نص فيه . ولو سوغنا الاجتهاد في مخالفة ما تناوله النص لم يؤمن أن يؤدى اجتهاد مجتهد إلى تحليل الخمر وإسقاط الصلاة ، بأن تتغير الحال ، وهذا هدم للشريعة . فأما الاستشهاد باسترداد عمر من جيش أسامة فالكلام في الامرين واحد ( 1 ) . * * * الطعن الثالث : أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي هي عدة المسلمين ، نحو ما روى أنه دفع إلى أربعة أنفس من قريش زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار ، وأعطى مروان مائة ألف عند فتح إفريقية ، ويروى خمس إفريقية ، وغير ذلك ، وهذا بخلاف سيرة من تقدمه في القسمة على الناس بقدر الاستحقاق ، وإيثار الأباعد على الأقارب . قال قاضى القضاة : وجوابنا عن ذلك أن من الظاهر المشهور أن عثمان كان عظيم اليسار ، كثير المال ، فلا يمتنع أن يكون إنما أعطى أهل بيته من ماله ، وإذا احتمل ذلك وجب حمله على الصحة . وقد قال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى : إن الذي روى من دفعه إلى ثلاثة نفر من قريش زوجهم بناته ، إلى كل واحد منهم مائة ألف دينار ، إنما هو من ماله ، ولا رواية
--> ( 1 ) بعدها في الشافي 176 : ( وقد مضى ما فيه ) .